بمناسبة الثامن من آذار عيد المرأة  العالمي – عمار تاسائي

بمناسبة الثامن من آذار عيد المرأة العالمي – عمار تاسائي

لا نغالي إذا قلنا أن المرأة الاهوازية قياسا بنظيراتها من نساء البلدان العربية وحتى الإيرانية تعاني من اشد حالات الظلم والاضطهاد ،فهي ورغم التطورات التي شهدها المجتمع ورغم تحمل المرأة أعباء مسؤوليات تأمين حاجات الأسرة لا تزال و في اغلب المناطق وخاصة المناطق الريفية ،محرومة من الكثير من حقوقها ، منها حق انتخاب الزوج ،والاستمرار إلى حد معين في الدراسة، والزواج المبكر ، ناهيك عن تعرضها للعنف الجسدي والتعذيب الروحي ، ولعل هذه الممارسات هي بدورها نتاج الوضع المزري الذي يعيشه الشعب العربي الاهوازي برمته على المستوى الإنساني والاقتصادي و الاجتماعي .

مما لاشك فيه أن مسؤولية إيجاد حلول مناسبة لهذه المعضلات ، إنما يقع في الدرجة الأولى على عاتق الدولة التي من واجباتها التفكير بحل مشاكل الشعب وتوفير الأدوات اللازمة للتنمية الإنسانية ، لان هذه التنمية تشكل أهم قاعدة للتقدم و الحداثة في اي دولة من دول العالم .

لقد ظلت الحكومات المتعاقبة على دفة الحكم في إيران وخلال العقود الثمانية الماضية وانطلاقا من ممارسة سياسة الاضطهاد القومي غير مبالية تجاه حل المعضلات التي يعاني منها الشعب العربي الاهوازي الذي بتمييز عن غيره بثقافة وعادات وتقاليد خاصة به ، من هنا فان تنمية المجتمع الاهوازي يحتاج إلى تحليل عميق ، وان نظرة عابرة على الأوضاع الراهنة والمتمثلة في أسلوب الحياة ، التعليم والصحة في مختلف المقاطعات الاهوازية اكبر دليل عما نقول .

وإذا استثنينا الحكومات ، فان بإمكان المثقفين و المبدعين الفنيين الإيرانيين  من ذوي النظرة الإنسانية ألانتباه الى هذه المشكلة عبر جهودهم و نشاطاتهم وإنتاجهم الإبداعي والفني وبالتالي الإسهام فيطرح هذه المشاكل  و توفير أسباب معالجتها .

وفي هذا المجال بإمكان السينما باعتبارها وسيلة إعلامية مرئية عامة لها جمهورها الواسع أن تلعب دورا مفصليا وهاما للغاية وذلك من خلال صناعة الثقافة الوعي لدى العامة من الناس ، كما أنها تعد أنجع وسيلة في طرح و معالجة الظواهر السلبية في المجتمع .

لكن ما يدعو إلى الأسف إن المثقفين الإيرانيون ( الفرس ) لا يعطوا إي اهتماما أو علاقة بدراسة مشكلات الشعب العربي الاهوازي المحروم بما فيها النساء المضطهدات وحسب وإنما حتى أنهم وفي بعض الأحيان سعوا إلى نكران مثل هذه المشاكل . كما أن البعض منهم بذل جهودا لتبرير السياسات الظلمة و المغلوطة و المغرضة للقائمين على الدولة الإيرانية في مواجهتها لمشكلات النساء العربيات الاهوازيات و اعتبروا ما تقوم به الدولة هو عين الصواب .

ونظرة عابرة على دور السينما الإيرانية منذ تأسيسها وحتى الآن في معالجتها لمشاكل المرأة الاهوازية يتضح لنا كم هي مقصرة في هذا المجال .
لقد صورت السينما الايرانية المرأة العربية الاهوازية على أنها امرأة سوداء ،منقبة ، منطوية على ذاتها ، تجلسس في غرفة منعزلة وتتحدث الفارسية بلهجة عجيبة غريبة وأحيانا توصف بسخرية على أنها جالسة إلى جانب رجال أشداء يتسمون بقبح المنظر وطول الشارب و يقومون بالإعمال المحرمة و ينتهكون القانون الخ . وهذه الصورة النمطية للمرأة والرجل العربي الاهوازي ظهرت في عدد محدود من الافلام التي أنتجتها السينما الايرانية .

افلام العهد الملكي :

قبل قيام الثورة الإيرانية تضمنت بعض أفلام السينما الايرانية مشاهد عن الشعب العربي الاهوازي ،إلا إن الإفراد الذين لعبوا أدوارها لم يكن لهم إي دور مفصلي و لا يحملون اي رسالة إلى المخاطب . وكأنما الهدف الوحيد للقائمين عليها هو شد انتباه المشاهد من اجل تنوع أجواء الشخصيات وذلك بغية الخروج من الرتابة في صناعة الأفلام .
ولعل من بين الأفلام التي انتجت في الستينات و التي صورت في عربستان – الاهواز وبين أوساط الشعب العربيي الاهوازي هي افلام ” ناخدا وباخد” اي ” الكافر والمؤمن ” و” صبح روز جهارم ” أي ” صبيحة اليوم الرابع ” و ” مو سرخه ” اي ” ذات الشعر الأحمر ” جلجراغ ” اي ” الثريا ” و ” جشم انتظار ” إي ” الأمل ” و ” حيدر ” و “دلاوران دوران ” اي ” ابطال المرحلة ” هي من أهم الأفلام الهامة التي انتجت في تلك المرحلة .

إما صورة المواطن العربي في هذه الأفلام غالبا ما تظهر على انه مهرب ، قاتل ، مجرم ، منتهك للقانون ، ولم تشر هذه الأفلام الا اللهم في فيلم و واحد او اثنين إشارة جزئية إلى المرأة العربية الاهوازية .

وإذا أردنا الحديث عن الرسالة التي كانت تحملها أفلام تلك المرحلة ، فإننا لم نشاهد فيها إلا الاغتراب و أزمة الهوية و إيجاد الخلافات ،الأمر الذي من شانه ان يكون مشجعا أساسيا على زيادة التعصب .

أفلام عهد الجمهورية الإسلامية :

إما السينما الإيرانية في عهد الجمهورية الإسلامية وبسبب اندلاع الحرب بين العراق وإيران بقيت لعدة سنوات تركز على إنتاج الأفلام الحربية ، وكان مخرجوها قد استفادوا من المواطنين العرب” ككمبارس ” لكي تبدو مشاهد الجبهة والحرب طبيعية لا غير ، في الحقيقية جعلتهم جزء من الديكور و لصناعة الجبهات ولعل أفلام مثل ” بل آزادي ” جسر الحرية ، و ” بايكاه جهنمي ” المقر الجهنمي تعد من بين هذه الأفلام .

لقد ادخل المخرجين السينمائيين الإيرانيين ابان مرحلة الحرب عدد من الشخصيات العربية في أفلامهم ، الا إن ادوار هذه الشخصيات كان ثانويا ، كما ان موضوع هذه الأفلام غالبا ما يتناول إحداث الحرب وما رافقها .

يبدو أن فيلم “عروس أتش ” عروس النار الذي أخرجه السيد خسرو سينائي هو اول فيلم إيراني الذي حاول إلى حد ما إن يقترب من طرح مشكلات الشعب العربي الاهوازي الثقافية و الاجتماعية بشكل عام و مشكلات المرأة الاهوازية بشكل خاص .

لذلك يمكن اعتبار هذا الفيلم بداية لمرحلة في حال التطور يمكن اعتباره أثرا جيدا ، و ان كان مخرجو هذا الفيلم قد قفزوا بشكل أساسي على طرح مشكلات المرأة العربية الاهوازية و تغافلوا البحث في جذورها و بدلا من ان يقوموا بنقد العادات و التقاليد الخاطئة المسيطرة على المجتمع مثل حق انتخاب الزوج ، حددوا المسالة وجعلوها مرهونة بشيء واحد فقط وهو ان المشاكل تظهر عندما تريد المرأة العربية الزواج من غير العربي ،حيث ان هذا الزواج يصطدم مع الأعراف والتقاليد العشائرية العربية ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في أصل المشكلة و لماذا بقيت هذه الأعراف و التقاليد البالية باقية إلى يومنا هذا ؟ من هنا يمكن القول بكل وضوح أن هذا الفيلم عالج المشكلة بشكل سطحي وعابر .
ويعالج فيلم عروس النار قصة فتاة عربية كانت تنوي الزواج من طبيب فارسي زميل لها و لكن ابن عمها و استنادا الى الاعراف و القوانين القبلية القائلة ان ابن العم أولى ببنت عمه يبذل قصارى جهده ليمنع هذا الزواج .
وفي الحقيقة ان هذا الفيلم يحاول إيصال مفهومان ناقصان إلى المشاهد ، الأول أن حق انتخاب الزوج من قبل المرأة العربية الاهوازية لا يظهر إلا عندما تريد الزواج من غير العربي ،و الثاني هو ان مشاكل غير العرب لا تظهر إلا عندما يريدون الزواج من أوساط المجتمع العربي . كما لا يشير مخرجي الفيلم إلى الدور الحكومي الداعم لبعض القائمين على النسيج التقليدي للمجتمع العربي الاهوازي ونعني به ” شيوخ القبائل ” هذا الدعم الذي يقدم تحت غطاء وأهداف سياسية والذي يلعب دورا مهما في بقاء العادات و التقاليد القبلية البائدة .
يبقى فيلم عروس النار يتحدث عن زاوية من زوايا معاناة المرأة العربية الاهوازية، لكن ما ينقصه كونه يكتفي بدراسة النتيجة ولا يبحث عن السبب ، فالفيلم لا يشير لماذا بقيت الأعراف و التقاليد القبلية البالية نافذة المفعول حتى يومنا هذا ؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى كل هذا الإجحاف و الظلم بحق المرأة العربية الاهوازية ؟و
لا يسعى الفيلم إلى جر المشاهد إلى التفكير إلى الإجابة على الأسئلة التالية وهي كيف نتوقع من شعب قضى كل حياته في ظل دولة جعلته في حالة دائمة من الفقر و الحرمان ولا تسعى إلى الإقدام على مبادرات من شأنها ان تنمي ثقافته أن يسلك سلوكا آخر؟ . كما ان اي جهد يتخذ من قبل النخب المحلية تسعى الدولة الى خنقه وهونطفة وذلك تحت ذرائع و اتهامات واهية و في مثل هذه الحالة كيف نتوقع من شعب محروم على كافة الأصعدة ان يفكر بأمور اخرى ؟ .
ربما ونتيجة لهذه الأسباب اتهم منتجي هذا الفيلم من قبل النخب العربية الاهوازية على انه يسعى إلى اضمحلال هوية الشعب العربي الاهوازي تمهيدا للقضاء عليها .
يعتقد مثقفو الشعب العربي الاهوازي أن هذا الفيلم يستهدف بالأساس هويتهم الثقافية والقومية و هو يسعى الى خلعها من الجذور و لا يعرض هويتهم كما هي عليه وإنما يعرضها بشكل مغلوط ، لان الدور الأول و الايجابي للفيلم قد أعطي لغير العربي في حين الطرف الآخر وهو العربي أظهره على انه مهرب ، ذميم ، يقوم بإعمال مخالفة للقانون . إما بقية الحوارات التي جرت في الفيلم يمكن نقدها على هذا الأساس.
الموضوع الآخر الذي اثأر حفيظة المثقفين العرب الاهوازيين تجاه هذا الفيلم وهو لماذا لم يتصل منتجي فيلم عروس النار قبل إنتاجه مع أي من المواطنين المحليين والتشاور معهم في مثل هذا الموضوع الحساس ؟.
وتعتقد النخب العربية الاهوازية بان الفيلم هدفه ورسالته الأولى والأخيرة هي الإيحاء للمشاهد أن في إيران يعيش شعبا متخلفا ونصف وحشيا ، يجب ان تصادر هويته وثقافته لصالح هوية وثقافة الشعب المسيطر لأنه لا يستحق لياقة الاستمرار بالحياة ، و بالتالي يمكن القول إن إنتاج هذه الفيلم يصب في مسار سياسية قديمة تم تعيينها من قبل هدفها تمييع الهوية القومية والثقافية لهذا الشعب أكثر فأكثر وبالتالي تهيئة الأرضية في السنوات القادمة من اجل القضاء الكامل عليه .
وتزامنا مع عرض الفيلم في عربستان – الاهواز – نشرت الصحف والمجلات المحلية مقالات عدة تنتقد مضمون هذا الفيلم وهي تعبرعن مواقف كتابها تجاهه . كما إن مجموعة من الشباب الاهوازي الغاضب تجمع إمام سينما إفريقيا في مدينة الاهواز وقاموا باشعال النار في بابها احتجاجا على عرض هذا الفيلم .
إن منتجي هذه الفيلم وقعوا في أخطاء جسيمة سواء بعلم منهم او بدون علم وتتمثل هذا الأخطاء في عدم الدراسة والمراجعة الدقيقة فيما يخص ثقافة وأدب و أعراف وتقاليد الشعب العربي الاهوازي ، لان الطريق لأي مشكل اجتماعي يبدأ من بحث ودراسة المشكلة نفسها ، فبدون البحث لا يمكننا الاصطدام بجذورها و بدليل وجود العادات والتقاليد ان ندخل واديا حساس كهذا ، في حين كل زاوية من زوايا المجتمع الإيراني هناك نساء محرومات من ابسط حقوقهن الاجتماعية والاقتصادية وهن يسعن من اجل الحصول عليها، إلا هناك عوامل تؤسس لهذا الحرمان الأمر الذي من شانه إن يقف حائلا في وجه النساء من اجل انتخاب حياتهن الحرة الكريمة .
خلاصة فيلم عروس النار :
” أحلام ” فتاة عربية تعيش منذ سنوات في المدينة ، تقع في حب شاب فارسي ، حيث يصمم الاثنين على الزواج ، ولكن هذا القرار يصطدم بمعارضة بن عم الفتاة ، حيث الأعراف و القوانين القبلية العربية الاهوازية تعطيه الحق في اولوية الزواج مع ابنة عمه و بإمكانه الى حد ما ان يمنع هذا الزواج ، وفي المقابل فان الشاب الفارسي يقرربدوره الدخول في مناقشات مع شيوخ القبيلة و…. الخ
ترجمة عن الفارسبة: جابر احمد