قضية الأهواز كمدخل عربي لمواجهة إيران

قضية الأهواز كمدخل عربي لمواجهة إيران

إعلان الرئيس الأميركي استراتيجية جديدة لمواجهة إيران، متبنياً خلالها تسمية «الخليج العربي»، كعلامة لافتة، يشكل نافذة ذات آفاق واسعة للعرب لتبني القضية الأهوازية.

منذ سقوط إمارة عربستان عام 1925 على يد شاه إيران باتفاق مع الإنجليز، بقيت الأهواز قضية منسية، ولم تحصل على أي اهتمام إقليمي أو دولي يسلط الضوء على معاناة شعب عربي ما زال يخضع لاحتلال إيران المباشر، منذ ما يقارب المئة عام، ويقاوم سياسة التفريس وسلب الهوية التي اتبعها نظام الشاه واستمر بها نظام الملالي.
لعبت الجغرافية السياسية للأهواز دوراً كبيراً في تجاهل قضية شعبها من قبل المجتمع الدولي، فهي تنتج حوالي 70% من النفط الإيراني الذي كانت تسيطر عليه شركة النفط الإنجلو-إيرانية، وتضم المصفاة الرئيسية لتكريره وتصديره من عبادان أقدم موانئ الخليج العربي. ولعب النفوذ البريطاني في الجوار العربي للأهواز وفي إيران دوراً أساسياً في تجنب هذه القضية، ولاحقاً شكلت العلاقات شبه المستقرة لغالبية الدول العربية المستقلة حديثاً
مع إيران القوية في عصر الشاه، دوراً في تجنب القضية الأهوازية. إضافة لذلك شكل انتماء غالبية سكانها العرب للمذهب الشيعي إحدى المعضلات التي خفضت اهتمام عمقهم العربي بمناصرة قضيتهم بشكل إستراتيجي ومستدام. وعلى الرغم من أن القضية الأهوازية «استخدمت كورقة» إبان حكم عبدالناصر، ثم في فترة حكم البعث للعراق، للمماحكة السياسية مع نظام الشاه؛ إلا أن ذلك لم يكن خياراً استراتيجياً بدعم النزوع الأهوازي للاستقلال مثل بقية الدول العربية التي حصلت على استقلالها.
لا ينقص القضية الأهوازية الشرعية التاريخية المستمرة للتكون الجغرافي والسياسي للدول، فهي إمارة مستقلة
منذ بداية القرن الخامس عشر، حيث حافظت «الدولة» المشعشعية العربية على استقلالها حتى في ظل هيمنة «الصفويين» و«العثمانيين» على المنطقة، بل وسعت نفوذها واستمرت حتى منتصف القرن الثامن عشر، لترثها بعد قليل الدولة الكعبية التي كان آخر أمرائها خزعل الكعبي، الذي كان أحد أبرز المرشحين لعرش العراق بعد اقتراحه ضم إمارته «عربستان» له، لكن الإنجليز نصبوا فيصل بن الحسين على العرش آخذين نزوع خزعل الاستقلالي اتجاههم بعين الاعتبار، وليسمحوا بعد قليل للشاه باجتياح عربستان واعتقاله لينهوا بذلك تاريخ تلك الدولة العربية، التي أبدلوا اسمها إلى خوزستان لاحقاً.
وإذ لا يكفي مقال قصير لاستعراض جوانب قضية الأهواز؛ فإن إعلان الرئيس الأميركي استراتيجية جديدة لمواجهة إيران، متبنياً خلالها تسمية «الخليج العربي»، كعلامة لافتة، يشكل نافذة ذات آفاق واسعة للعرب لتبني القضية الأهوازية، بما يتوافق مع القانون الدولي والتحولات السياسية في توازنات المنطقة. إذ تضمنت «استراتيجية ترمب لمواجهة إيران» وقف تمدد نفوذ إيران في المنطقة، وتقليص قدرتها على زعزعة استقرارها، عبر فرض عقوبات على الحرس الثوري الإيراني ذراع النشاط الإرهابي الخارجي، والداعم الوحيد للميليشيات الإرهابية التي أسستها إيران وتعتمد عليها، إضافة لمشاركته المباشرة في تفتيت الدول العربية لبسط هيمنتها. يضاف لذلك سجل إيران السيئ في حقوق الإنسان الذي يحظى بمتابعة دولية.
ترتبط هذه البنود بصلة مع القضية الأهوازية، وتمكن من نسج استراتيجية عربية واضحة ومعلنة لدعم مستمر ومستدام للأهوازيين لا يخضع للتقلبات السياسية. حيث يمكن اعتبار قضية الأهواز قضية حقوقية عادلة بامتياز نظراً لما يتعرض له العرب في هذا الإقليم من اضطهاد متعدد الجوانب. فهم يتشاركون الاضطهاد الناتج عن الديكتاتورية الشمولية مع مكونات إيران، إضافة للاضطهاد القومي ومحاولة سلب هويتهم ومنعهم من لغتهم وتراثهم، وإجراء التغييرات الديموغرافية المستمرة لتغيير الهوية السكانية للإقليم، حيث يشكل الانتماء القومي «العربي» للسكان البعد الرئيسي في الهوية، متقدماً على تشاركهم الانتماء للمذهب الرسمي لنظام الملالي.
إن دعم الأهوازيين وتحفيزهم لتصعيد مقاومتهم السلمية والديموقراطية ذات المدى البعيد والمتوسط، بتوفير منصات دعم سياسي وإعلامي لإبراز صوتهم في المحافل الدولية سيكون عملاً ذا جدوى، وسيشجع شعوب إيران الأخرى للسير في نفس الطريق خصوصاً مع توفر منصة سياسية لذلك هي «مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية». يساعدهم هذا أيضاً في تثبيت حقوقهم السياسية والقومية والإقرار بها من طرف أي ائتلاف واسع للمعارضة الإيرانية يواجه حكم الملالي.
إن دعم الأهوازيين سيكون أيضاً رسالة تطمين بعيدة المدى ولا تقبل الالتباس للشيعة العرب، بأن الصراع مع إيران يقوم على أرضية سياسية وليست طائفية، وينزع من أيدي إيران السلاح الأساسي الذي تستغله لتحقيق أحلامها الإمبراطورية.